العيني

28

عمدة القاري

يَا عُمَرُ ، وَالله لَقَدِ اسْتَقَرَأتُكَ الآيَةَ وَلأنَا أقْرَأُ لَهَا مِنْكَ ، قَالَ عُمَرُ : وَالله لأنْ أكُونَ أدْخَلْتُكَ أحَبُّ إلَيَّ مِنْ أنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ حُمْرِ النَّعَمِ . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : * ( فأمر لي بعس من لبن فشربت منه ) * قوله : ( وعن أبي حازم ) ، موصول بالإسناد المتقدم ، وقد أخرجه أبو يعلى عن عبد الله بن عمر بن أبان عن محمد بن فضيل : بسند البخاري فيه . قوله : ( جهد ) الجهد بالضم الطاقة وبالفتح الغاية والمشقة ، والمراد به هنا الجوع الشديد . قوله : ( فاستقرأته ) أي : سألته أن يقرأ علي آية من القرآن معينة على طريق الاستفادة ، وفي كثير من النسخ : فاستقريته بغير همز وهو جائز لأنه سهيل قوله : ( وفتحها على ) أي : أقرأنيها ، وفي ( الحلية ) لأبي نعيم في ترجمة ، أبي هريرة من وجه آخر عنه ، أن الآية المذكورة من آل عمران . وفيه : أقرأني وأنا لا أريد القراءة . إنما أريد الإطعام فلم يفطن عمر مراده . قوله : ( فخررت لوجهي ) ويروى : على وجهي ، أي : سقطت من خر يخر بالضم والكسر إذا سقط من علو . وفي ( الحلية ) وكان يومئذ صائما . قوله : ( فإذا ) كلمة مفاجأة . قوله : ( إلى رحله ) أي : إلى مسكنه . قوله : ( بعس ) بضم العين وتشديد السين المهملة وهو القدح العظيم . قوله : ( حتى استوى بطني ) أي : حتى استقام لامتلائه من اللبن . قوله : ( كالقدح ) بكسر القاف وسكون الدال المهملة وهو السهم الذي لا ريش له . قوله : ( تولى الله تعالى ) من التولية والفاعل هو الله ومن مفعول ويروى : تولى ذلك أي : باشره من إشباعي ودفع الجوع عني رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : ( ولانا ) اللام فيه للتأكيد وهو مبتدأ أو قوله : ( واقرأ لها ) خبره أي : للآية التي فتحها عليه عمر ، واقرأ أفعل التفضيل . قال بعضهم : فيه إشعار بأن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، لما قرأها عليه توقف فيها أو في شيء منها حتى ساغ لأبي هريرة ما قال : ولذلك أقره عمر عليه قلت ليس كذلك وإنما قال ذلك عتبا على عمر حيث لم يفطن حاله ولم يكن قصده الاستقراء بل كان قصده أن يطعمه شيئا ، ويوضح هذا ما روي عن أبي هريرة أنه قال : والله ما استقر أنه الآية ، وأنا أقرأ بها منه إلاّ طمعا في أن يذهب بي ويطعمني ، وأما قوله : ولذلك أقره عمر عليه فإنما معناه أنه من استحيائه منه حيث لم يطعمه سكت عنه ولم ينكر عليه وفي الذي قاله هذا القائل نوع نقص في حق عمر ، على ما لا يخفى . قوله : ( لأن أكون ) اللام فيه مفتوحة للتأكيد . قوله : ( أدخلتك أحب إليَّ من حمر النعم ) أراد به أن ضيافتك كانت عندي أحب إليّ من حمر النعم أي : النعم أي : الحمر الإبل ، وهو أشرف أموال العرب ، ولفظ : أحب ، أفعل التفضيل بمعنى المفعول ، وهذا حث من عمر وحرص على فعل الخير والمواساة . وفي الحديث : التعريض بالمسألة والاستحياء . وفيه : ذكر الرجل ما كان أصابه من الجهد . وفيه : إباحة الشبع عند الجوع . وفيه : ما كان السلف عليه من الصبر على القلة وشظف العيش والرضا باليسير من الدنيا . وفيه : ستر الرجل حيلة أخيه المؤمن إذا علم منه حاجة من غير أن يسأله ذلك . وفيه : أنه كان من عادتهم إذا استقرأ أحدهم صاحب القرآن يحمله إلى بيته ويطعمه ما تيسر عنده ، والله أعلم . 2 ( ( بَابُ : * ( التسْمِيَةِ عَلَى الطعَّامِ وَالأكْلِ بِالْيَمِينِ ) * ) ) أي : هذا باب في بيان التسيمة على الطعام ، أي : القول باسم الله في ابتداء الأكل وأصرح ما ورد في صفة التسمية ما رواه أبو داود والترمذي من طريق أم كلثوم عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها مرفوعا إذا أكل أحدكم الطعام فليقل : بسم الله فإن نسي في أوله فليقل بسم الله أوله وآخره ، والأمر بالتسمية عند الأكل محمول على الندب عند الجمهور ، وحمله بعضهم على الوجوب لظاهر الأمر ، وقال النووي : استحباب التسمية في ابتداء الطعام مجمع عليه ، وكذا يستحب حمد الله في آخره . قال العلماء : يستحب أن يجهر بالتسيمة لينبه غيره فإن تركها عامدا أو ناسيا أو جاهلاً أو مكرها أو عاجزا لعارض ثم تمكن في أثناء أكله يستحب له أن يسمي ، وتحصل التسمية بقوله : بسم الله فإن اتبعها بالرحمان الرحيم كان حسنا ، ويسمى كل واحد من الآكلين . وقال الشافعي ، فإن سمى واحد منهم حصلت التسمية . قوله : ( والأكل باليمين ) بالجر عطف على التسمية أي : وفي بيان الأكل باليمين ، ويأتي عن قريب في حديث عمر بن أبي سلمة : يا غلام اسم الله وكُلْ بيمينك وكُل مما يليك ، وقال شيخنا زين الدين : الأمر بالأكل مما يليه والأكل باليمين حمله أكثر أصحابنا على الندب ، وبه صرح الغزالي والنووي ، وقد نص الشافعي في ( الأم ) على وجوبه ، وزعم القرطبي أن الأكل باليمين محمول على الندب ، ولأنه من باب تشريف اليمين ، ولأنها أقوى في الأعمال